محمد بن محمد ابو شهبة
369
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
2 - الاحتجاج بالمرسل إنما هو في فروع الدين التي يكتفى فيها بالظن ، أما الاحتجاج به على شيء يصادم العقيدة وينافي دليل العصمة فغير مسلّم ، وقد قال علماء التوحيد : إن خبر الواحد لو كان صحيحا لا يؤخذ به في العقائد لأنه لا يكتفى فيها إلا بما يفيد اليقين ، فما بالك بالضعيف أو المختلف فيه . 3 - هذا التأويل الذي ارتضاه الحافظ وغيره ممن تابعه قديما وحديثا ما أضعفه عند النظر والتأمل ، فهو يوقع القائل به فيما فرّ منه ، وهو تسلط الشيطان على النبي ، فالتسلط عليه بالمحاكاة ، كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه كلاهما لا يجوز ، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات الإلهية . وإذا سلّمنا أن الشيطان هو الذي نطق بهذا المنكر من القول في أثناء سكوت النبي فكيف لم يسمع ما حكاه الشيطان ؟ ! وإذا كان سمعه فلم لم يبادر إلى الإنكار ، والبيان في مثل هذا واجب على الفور ؟ ! وإذا لم يسمع النبي ألم يسمع أصحابه ؟ وإذا سمعوا فلم لم يبادروا إلى تنبيه الرسول ؟ ! وأهون من هذا في الإبطال وأشد في الاستغراب ما ذكره موسى بن عقبة في مغازيه من أن المسلمين ما سمعوها ، وإنما ألقى الشيطان بهذه المقالة في أسماع المشركين ! ! فهل كان الشيطان يسر بها في اذان المشركين دون المسلمين ؟ ثم كيف يتفق هذا الذي اختاروه وما روي من أن النبي حزن حزنا شديدا ، وأن جبريل قال له : ما جئتك بهذا ؟ ! الحق أن نسج القصة مهما تأول فيه المتأولون وحاولوا إثبات أن لها أصلا مهلهل متداع لا يثبت أمام البحث ، وأن أغلب البلاء دخل على الإسلام من المنقطعات والمراسيل . مصادمة القصة للقران ثم إن هذه القصة الباطلة مخالفة لقوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) « 1 » .
--> ( 1 ) الآية 42 من سورة الحجر .